الجمعة، 23 نوفمبر 2012

مشاعر إلكترونية


بقلم – أميمه العبادلة:

أنشكر صفحات المحادثات الإلكترونية الجافة من بلل المشاعر الذي لطالما صال وجال على خطوط ملامحنا، وأضفى عليها ما استطاع سبيلاً من الألوان، والثنايا، والنبضات، وفوضى درجات الحرارة..؟!!

من السهل الاستتار والاختباء خلف الأحرف الصامتة دون أن يعلم من يُحادثكَ كيف أنك تتلعثم.. أو دون أن يلحظ نبرة صوتك المرتجفة ألماً، أو جزعاً، أو ربما شوقاً، أو حتى كرهاً..!!

هم ( من تحادثهم ) بالطبع لن يروا - في حروفك ذاتها - بريق الدموع في مآقيكَ التي ألهبها الحنين.. ولن يقارعوك على ثورة الغضب التي أحالت مقلتيكَ لجمرتين..

كما أنك في المقابل لن تفزع من قهقهتم الساخرة من تلاعبهم بمشاعرك من خلال تطويع الكلمات، وتواطئ المعنى مع شيطان يختبئ خلف شهب أنفس لا يعلم مرادها سوى رب العباد..

كلانا – الصالح والطالح - لن نفهم أياً من كل هذا ما دمنا نختبئ  خلف الشاشة الزرقاء دون إبداء الوجوه ومعالمها، ومادمنا نفرح باختصار المسافة دون التوق لشغف اللقاء..

أتساءل، هل من خير حقيقي نكتسبه من إخفاء مشاعرنا كلياً حين نغص بالوجع ونختنق به، بينما في ذات اللحظة ترانا نكتب على الشاشة ضحكة طويلة بتكرار حرف الهاء ( ههههه ) - كما اتفق على ترميزها أهل الفضاء الإلكتروني - فقط لنداري سوءة وجعنا عنهم..؟!!

أو هل نكون أنجزنا انجازاً خارقاً حين نسخر من أحدهم ونتلاعب به بقصد الضحك معه أو عليه..؟!! هل من ذكاء حقيقي، أو على الأقل من فائدة ذات قيمة ومغزى تعود علينا من ضلال المشاعر هذا وتضليلها..؟!!

في هكذا حالات يكون قياس حقيقة المشاعر لا صعباً فقط، بل هو تمام مستحيل.. باستثناء أن يكون مُحَدثكَ على درجة عالية من الحساسية والتواصل الروحي بروحكَ: كأمكَ، أو أبوكَ، أو - وهذا قلما يكون - توأم روح وقلب يعنيه أمرك جداً وجداً ثم جداً..!! حينها فقط سيفهم أو على الأقل سيشعر بانقباض مبهم في صدره يشي له بحقيقة حالتك..!

من السهل نسخ النكات ولصقها على شاشة العرض الإلكترونية، لكن من قال إن ناشرها في حقيقة الأمر يضحك..؟!! من السهل سرد خطبة شبيهة بتلك التي يلقيها الإمام يوم الجمعة عن فضائل الصلاة، لكن من قال أن ناقلها يصلي..؟!! التغرير بالآخر واجتذابه أو تنفيره واستفزازه بالكلمات وحدها أمر متاح ووارد.. أما مدى الصدق والتثبت أمر يحتاج إلى إعادة نظر وتدقيق..

عادة ما يكون للكاتب، كما للمتحدث، أربٌ من كتابته.. أربٌ مرتبط بهدف خفي في العقل الباطن، ويترجمه العقل الواعي كما يراه مناسباً بسلوك مخابراتي فطري محكم في دمج الحروف.. فتؤتي الكلمات والعبارات أكلها بدقه تصيب الهدف في مقتل احترافي، فـ يُصدق الطرف الأخر لا محالة.. على الأقل نتركه مرتاباً ما بين نعم ولا..!

لكن الفرق بين الكاتب والمتحدث شفوياً أنك تستطيع أن تميز في الثاني نبرة صوته، عمق إحساسه بالكلمات، نظرة عينيه التي تشي بالكثير، وتوتره أو ارتياحه وغيرها من الأمور.. أما الكاتب فكثيرا ما نحتار ونحن نقرأ ماذا تراه يقصد..؟!!

علم الوجوه وحركات الجسد الذي استفاض فيه الباحثون وذوو الاختصاص لا قيمة له إن كانت لقاءاتنا إلكترونية، بغض النظر إن كانت فيسبوكية أو تويترية، أو ماسنجرية.. المهم أن كل الأقاصيص والعبارات والخطاب الموجه لن يكون دقيقاً أو صادقاً أو شفافاً مائه في المائة، فيما لو قارناه بالحوار وجهاً لوجه..

قد لا نكترث أبداً لو أن الأمر مرتبط بعمل روتيني لا يتعدى فكرة الـ خذ وهات.. لكن متى ما كانت محادثاتنا ونقاشاتنا هذه تدور في فلك علاقات جادة، ونرغب من خلالها الانتقال من مرحلة الافتراضية إلى الواقعية سيكون التدقيق والاهتمام بالمصداقية أكبر بلا شك..

أنتجنب هذا النوع من المحادثات إذا..؟!! أو نطور قدراتنا في تحليل ما بين السطور..؟!! أم نستسلم لفكرة انتقاص المصداقية..؟!! أم نبتكر حلا جديداً..؟!! ما الأفضل كي نفعله..!!
أو لماذا لا نكون، ببساطة، صادقين وشفافين دون اعتبارات التحايل التي أشك في مدى جدواها ودوام متعتها..!!!

السبت، 13 أكتوبر 2012

عصام يونس.. من حقوقي حازم إلى فنان ساحر


بقلم – أميمه العبادلة:
لطالما كانت نخبة العلماء، والمشتغلين بالسياسة، وأهل الاختصاص في القانون، على الرغم من كل ما يبذلونه في مجالات خدمة الإنسانية والحريات والارتقاء والتنمية؛ بصورة نمطية مألوفة لدينا تتسم بكثير من الجدية ووفرة في الجمود.. وكأنهم كائنات آلية مبرمجة على العطاء الروتيني دون ملامح جلية لمشاعر عميقة ومرهفة..

ربما يعتبره البعض صِنفاً من "بريستيج" اجتماعي فاخر لا يجوز كسر حديته، لأغراض قناعات نفسيه بحته ما أنزل الله بها من سلطان سوى أهواء بشرية تعلو وتهبط دون مرونة أو جدوى.. لكنه يتعارض من كينونة الإنسان وميله للبساطة والفطرة والتوحد مع الطبيعة والجمال..

لعل الصورة السابقة مألوفة إلى حد ما، لكن اللامألوف يكمن في كسر جبروت هذه الصورة الجافة بإبداء لين مثير، بعد امتزاج المشاعر فيه بسمو الفن وعميق أصالته..

وليكون الحديث أكثر وضوحاً دعونا نرسو بعض الوقت في غزة، تلك المدينة المحاصرة التي يحسبها كثير من الخلق قطعة منسية، لا حياة طبيعية فيها.. بينما في واقع الأمر فإن كل ما فيها يقتنص الثواني ليصرخ أنا أضج بالحياة رغماً عن الحياة ذاتها..

هنا وقرب البحر يبرز لنا معرض لوحات استوحى اسمه من رسمه: "لا جمال يفوق ما تنتجه الطبيعة".. إنه معرض فريد من نوعه لجدة خاماته.. فجميع لوحاته العشرين مرسومة ومطلية بقصاصات من قش سيقان القمح الذهبية..

ومع ذلك فنجم المعرض الحقيقي هنا لا اللوحات الفريدة بل صاحبها الذي تخلص من عباءة عشرين عاماً في أروقة النشاط القانوني، والمرافعات الجادة، والمقالات السياسية الرصينة، وشعلة حقوق الإنسان التي لطالما كانت همه الأول، وارتدى زرقة السماء في عينيه المتوقدتين حياة، فغازل بذلك أبصارنا وأرواحنا وذوقنا بكوكتيل فني لا مثيل له، وأنار عالم الإبداع بعشرين لوحة طبيعية 100%..

فاللوحة الواحدة بها ألف معنى، ما بين روعة الطبيعة، والحفاظ على البيئة، وتصوير الحياة، ودقة الصناعة، وتقدير الإنسانية، مغلفاً كل هذا بحرفية ساحرة وبهالة قصوى من الحب..

وعلى الرغم من أن عصام يونس يشغل منصب مدير لمركز الميزان لحقوق الإنسان والذي ينصب نشاطه في تعزيز أسس الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني ونظامه السياسي وتعزيز المشاركة السياسية للمواطنين، والضغط نحو تشكيل حكومات صالحة تحترم حقوق الإنسان، وتوعية المواطنين بحقوق الإنسان الفردية والجماعية بما في ذلك الحق في تقرير المصير والعمل على تحقيقها عبر استخدام قنوات القانون الدولي..

إلا أن كل ذلك لم يمنع يونس من ممارسة هوايته الفنية المميزة هذه.. فهو يراها تساعده على تفريغ طاقته السلبية والضغط والتوتر والإجهاد الذي قد يسببه العمل والهم الإنساني المتواصل الذي تبناه من بداية شبابه.. حيث إن طبيعة القش المشاكسة والهشة تتطلب طول بال وصبر ودقة عالية في رسمه ونظمه وتوليف أليافه بتموجات تظهر جمال اللوحة وعمقها.. الأمر الذي قد يستنزف من العمر مابين شهرين إلى سنتين لتكون في النهاية عروساً متألقة يباهي بها الفنان بين الزائرين في معرضه..

استرقت السمع فعلمت أن يونس ما كان يفكر يوماً بالمعرض، واكتفى بلوحاته نجوما تزين منزله، لكن إلحاح متواصل من أصدقاءه دفعه ليبرزها للعلن، ويساعدنا في تأمل روح الإنسان الفتية التي لم ولن ينال منها أي ظرف مهما كان قاسياً..

في الحقيقة لا أعرف يونس شخصياً، ولم أمكث في المعرض طويلاً.. فقد سرقت من الزمن نصف ساعة لأرى ما الجديد.. فكان الجديد يحمل في كل لوحة قصة، تذبذبت ما بين تاريخ فلسطيني، وطرفة حكايات شعبية، وحديث نسوة، وورود، وطيور، وفضاء.. باختصار كان المعرض عالماً، أو دون مبالغة كان كسفينة نوح حين أخذ من كل زوجين اثنين..

أتمنى أن يتوالد الزوجان فيصبح بعد المعرض معرض واثنين وعشرة، فيمتعنا ويخرج بنا من روتين الشكوى أن غزة تموت.. بل إن غزة تعيش فبثوا فيها مزيداً من الحياة بآمالكم وأحلامكم وإبداعكم..

الجمعة، 31 أغسطس 2012

ورحل القطار



بقلم – أميمه العبادلة:

في المحطة، وقبل إطلاق الصافرة، تحشرجت روحها بصراخ ذاب وجعاً في ابتسامة نصف مشلولة، وبدموع تحجرت صخراً أدمى ما تبقى من نور أيامها..

ربتت على كتفه.. قبلته قبلة وداع.. وتمنت له معها سعادة لا مثيل لها.. وتعللت بموعد القطار لتشيح بوجهها عنه سريعاً، لئلا يرى مبلغ الانفجار العظيم الذي شتت ملامحها ومزق قلبها..

هرولت، لا ترى من الطريق أمامها شيئاً، ولا تدري أهذه أناس تتخبطهم، أم كالعادة مزيد من الجدران تتخبطها وتمنعها من الوصل حيث أرادت..

ألقت بنفسها في أول مدخل لعربة القطار، واستوطنت أول كرسي صادفها.. بالكاد أوصلتها خطاها الثقيلة، وقلبها المجهد الذي ما عاد له قِبَلٌ بالرقص ولا حتى بالدندنة..

كان هو، وما لم تره هي بوضوح لفرط ارتباكها، متسمراً لا ينطق، لا يتنفس، لا يسمع، ولا حتى يرى.. مذهولاً ومشلولاً لا يذكر من كل قواميس الكلمات حرفاً ينطق به لمنعها من المغادرة..

وهاجس كالطفل يحاول إلهاءه أنه في منتصف حلم سيصحو منه ليجدها بجاوره تهمس له: "أحبك"..

لصافرة القطار حين رحل، صوت دوى بداخله فاستوى منتبهاً من شبه الغيبوبة تلك، ونادى بأعلى صوته: "توقف أيها القطار.. توقف وعودي، أنا أحبك"..

غير أنها لم ترجع إليه، فسائق القطار آن ذاك كان مصاباً بالصمم..!!


الأحد، 19 أغسطس 2012

عبث في الذاكرة



بقلم – أميمه العبادلة:

في فيء العمر الذي صار جبلاً، تستوطن قبيلة من الذكريات تجمعت وتكدست في ذات البقعة من باطن العقل، فصارت شعباً عريقاً يخوض غمار أمنيات متسلسلة بإنتاج خاص ورؤية إخراجية ذاتية..

ورغم تأثير الذكريات البالغ فينا، إلا أننا ننسى كثيراً منها.. ننسى التفاصيل، ننسى الأسماء، ننسى الملامح، وبعض الشخوص..

لعل ذاك اعتيادنا عليها وعلى ما صنعته فينا.. فصرنا معها ككفيف حفظ زوايا بيته عن ظهر قلب، وما عاد البصر يُشكل لديه بعيد غاية، أو عميق حاجة..

حين يسكت الكون عن ضجيجه لبرهة من حولنا، وحين تضيق مساحة الفضاء ولا نكاد نرى شيئاً فيه غيرنا بماضينا وحاضرنا فقط.. حينها، يُجبرنا هذا الفراغ على التجوال سيراً على الأقدام العارية قسراً.. فنعيد اكتشاف أروقة منسية، ومنعطفات تلاشى دقيق معالمها..

إذا ليس الحنين ما يُرجعنا لتلك النقطة البعيدة جداً في عمق الذاكرة.. ليس الحنين أبداً.. إنه ملل الفراغ، وليس الفراغ وحده.. فلا تنخدعوا مجدداً بالملل الذي استوطن متسع الفراغ فضاق به.. ولا تحسبوه تخاطراً بثته إلينا روحِ مضت وولتنا الأدبار حين احتياج، وانبعث الضمير فيها على حين غفلة من القدر، فجاءتنا تمسك بوق الحنين وتستجدينا لنيل دور مكرر في حاضر الأيام أو مستقبلها..

هناك، في مدينة الذكريات ذاتها وأثناء تجوالنا العبثي لتفقدها، سنجد كثيراً منها منهكاً، نائماً يحسبه المارُ ميتاً.. ومنها ما سيكون نصف نائم، كذئب بنصف عين مغمضة ينتظر قطيعاً من السذاجة والحنين والفضول ليفترسه دون رحمة أو عناء.. وبعض آخر يلهو ويلعب، وينبش تربة الأيام لعلها تخصب وتزهر بشيء من الورود على قارعة الصدفة أو القدر..

في كل الأحوال ومهما اشتدت بك الوحدة أو مارس عليك الملل صنوفاً من إغراءاته، حذار أن توقظ نائماً في الذاكرة وإن بدا لكَ كطفل حالم، أو كمجرد جثة محنطة لا روح فيها.. فبعض الذكريات كعنقاءَ شرسة، متى ما استيقظت صارت تنيناً، لا يُلجم هياجه ولا تُطفئ ناره أبداً..






الاثنين، 16 يوليو 2012

منفضة السجائر



بقلم - أميمه العبادلة:

اعتادَ، منذ مدة، أن يترك على مكتبه رسالة مفتوحة عمداً..
يحميها من الهواء بمنفضة سجائره المحشوة بأعقاب خلفها الحنين، ويخرج..

فكر مراراً لو أنه يخبئ كاميرا سرية تشي له بردة فعلها حينما تراها..
أتفرح، أم تبكي..؟!!

يكاد يقتله برودها وصمتها الذي لا يفهمه.. ألا تحبني..؟!! ألا تهتم لمشاعري..؟!!

أما هي.. فدأبت العادة أن تدخل بعده بانتظام، لتهيئ المكتب..
تتأمل المنفضة، وتتألم كيف أنه يؤذي نفسه إلى هذا الحد..
تشفق من وطأة العمل على كاهله، وتمقت تلك البليدة التي لا تفهم رسائله..

وككل يوم، يسترق الفضول المستوطن داخل أنوثتها سطراً أو سطرين مما كتب، فتطلق تنهيدة حارقه، وتستسلم رغماً عنها لحبه لتلك المجهولة، صاحبة الرسالة..

تغلق باب المكتب خلفها وتمضي، وهي تلعن تلك العين التي تصيبها بالخيبة معه إلى الآن..!!

//
في الحب نحتاج كثيراً من الصراحة؛ وكثيراً من الثقة لتنضج المشاعر كما نشتهي//




السبت، 7 يوليو 2012

بعد فوات الأوان



بقلم - أميمه العبادلة:

لما سيق إليه نبأ موتها، وما كان منها من سؤال وبحث عنه، شعر بشيء غريب يختطف روحه في موكب من حنين إليها.. 

كانت وكأنها تناديه بصوتها الذي أدمنه عمراً: "ألا ليتك تدري..؟!!".. فعصف الأمر بروحه بما يشبه الحلم، وتذكر آخر كلماتها إليه: "ستعلم الحقيقة ذات يوم، وتبحث عني، فلا تستعجل وتنقم علي"..

كانا قد افترقا بأحجية ظن أنه برع في فك رموزها.. غير أنه ككل الرجال ضيق الأفق، تقوده شرقيته المتضخمة دون صادق تثبت..!!

ظن أنها والأيام سيصغران تحت قدميه يقبلانها طلبا للصفح.. ونسي أن لا خطيئة، ونسي أن الموت أكبر منهم جميعاً لو أراد..

دأب طيفها يلازمه كلما داعب طفلته الصغيرة، فيخيل إليه أن صوتها تلبس صوتها بدلال.. ربما لأنه عرفها روح طفلة في عباءة أنثى..

صوتها القادم من ما وراء السماء جعله كالثائر يهيم بحثاً عن خلاصه من سر طرق باب قبرها فضج في زوايا قلبه..

همَّ ببرقياتها القديمة يستنطقها، لعل سطراً يرق له ويكشف ما عساه استتر وراءه من غياب، لكن هيهات..!!

بدت له كلماتها جميعاً هيروغليفية مبهمة.. وكأن المعنى مات فيها كموت صاحبتها..

// مشكلة الأحياء أن مشاعرهم دوماً تنتفض من موتها بعد فوات الأوان//




الأربعاء، 4 يوليو 2012

بريق الجزيرة وما خلفه



بقلم – أميمه سليمان العبادلة:

نقل الخبر منقوصاً، أو صناعة الخبر كما يريدوننا أن نصنعه، أو فبركة الخبر ليكون طُعماً سائغاً لنيل صيد وربح مادي سمين.. كل هذا رغم ضلاله وتضليله، لا يهم.. أعني في هذه اللحظة، لا يهم..

ما يدور في رأسي، الآن، ويشغلني سؤال واحد فقط:
إن كانت التحليلات صادقة كما يراها بعض لا بأس بعددهم.. فما النفع الحقيقي الذي يعود على فضائية الجزيرة من افتعال الأزمات هنا وهناك..؟!! وهل من الممكن أن يجلب الصيد في الماء العكر صيداً سميناً ذو قيمة..؟!!

وبعد أن أسقطت ما أسقطته من ظلم وحكومات، فهل في المقابل تسببت فعلاً في إشعال مصابيح عدل، وبناء جميل حضارات..؟!!

ومن عساه سيكون المسئول عن تقييم وقياس مدى نجاح أو فشل عملية الاخصاب الحكومية والسلطوية الجديدة على يد مشرط فضائية الجزيرة..؟!! هل هي الجزيرة نفسها..؟!! أم متابعوها المنهكون الذين اعتادوا أن يلتقموا الخبر ولو كان سماً بملعقتها الذهبية..؟!!

لتلة الذهب في عيون الفقراء بريق يعمي الأبصار ولو كان خلف التلة حزام ناسف ومدفع وألف قنبلة..

لم أُكَوِّنْ رأياً كاملاً عنها بعد.. ولن أناقش شمائلها التي يعرفها مريدوها، ومن تتلاقى مصالحهم مع أخبارها.. لكن سأحاول نبش سلبياتها التي يقف عليها المعارضون، وهذا من صميم شعارها الرأي والرأي الآخر، والذي برز اسمها على أساسه..

شريحة لا بأس بها ترى أنها هذه القطرية تستميت في تأجيج الصراع وتأليب الرأي العام..  بالمناسبة إنها، فعلاً، لا تفعل ذلك مع أي دولة غير شرق أوسطية، رغم أن لها بثاً أجنبياً ونفوذاً لا بأس به حول العالم.. كما أنها تُغفل الطرف عن كثير مما يحدث في المنطقة العربية كمظاهرات البحرين مثلاً وغيرها.. وهذا ما يثبت في النفس شكوكها حول سلوكها..

إنها لا تقسم التغطية بالتساوي مع كل المناطق والأقاليم.. رغم أن البلدان في غالبها مضطربة، وإن كان للاضطراب درجات متفاوتة لكنه تفاوت منطقي لا يتناسب لا طرداً ولا عكساً مع تباين الجزيرة في الرؤية وانعكاسها..

لنفصل الأمر على مهل، وخطوة خطوة.. قناة الجزيرة القطرية ليست ولن تكون ملاكاً منزلاً من سماء سابعة.. ومحرروها ومقدمو الأخبار فيها، رغم تميزهم، ما هم إلا بشر خطاءون ينطقون عن الهوى.. وحيث أن كل الإعلام الأجنبي قبل العربي مملوكٌ لجهات بعينها تحكمها لغة الـ "بزنس" والمصالح، فلا استثناء للجزيرة عن باقي القائمة..

نجاح الجزيرة نابع من كونها ماهرة في اللعب على أوتار حساسة جداً لتدوزن مزاج المشاهد العربي على لحن يحقق أهداف أصحابها.. وأصحابها ليسو الخضر عليه السلام ولا عيسى ابن مريم، بل هم شيوخ قطر..

وقطر الآن، وبشكل لافت، تستميل وتساند الإسلاميين على حساب الليبراليين في الشرق الأوسط، رغم أنها ليبرالية متأسلمة بـ "الشماغ" و"الدشداشة" فقط.. وهي أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة العربية.. وأول من وافق وشارك في التطبيع التجاري مع عدو العالم الأول "إسرائيل".. إذا أغبياء هُم العربان إن توسموا في صديق العدو صديقاً صدوقاً محتملاً..

قصة قطر برؤية نصف واضحة تشبه قصة تلك الخائبة التي أثمت بارتكاب الخطيئة مع ذئب ظنته يحبها، فقررت أن تنشر إثم الخطيئة في محيطها لتخفف من شعورها بالذنب.. فالمفهوم الانقلابي في تاريخنا الحديث ظهر بانقلاب سِلمِي للشيخ حمد على والده خلال سفره.. وقطر الآن كما يراها الكثيرون تُصَدِّر هذا الفكر الانقلابي في المنطقة..

أما النصف الثاني للرؤية سيكون إن علمنا أن أصل الذئب في الرواية كان شيطاناً مُختلاً، هدفه إغواء الخلق للسيطرة عليهم.. وبذلك تكون قطر دمية كباقي الدمى أو لعلها سيدة الدمى.. وبالتالي فإن الجزيرة أداة في يد غرب أحكم السيطرة علينا بالفعل.. ولا مجال لمحاورة الذئب أو الاستماع لشكواه فذئب من يحاور الذئب لا محالة..

إن صافحني الذئب يا ليلى وابتسم، فهل لي أن آخذه بالأحضان وآمن جانبه..؟!!

ما أتمناه فقط أن لا تحول الجزيرة بالبارانويا التي أصابتها ربيعنا العربي لـمسخ كـ كمسخ فرانكشتاين، الذي عاث في الأرض فساداً وتسبب في موت صاحبه في النهاية..