الخميس، 15 أغسطس 2013

لا أحد يكره إسرائيل

بقلم – أميمه العبادلة:

موضوع يراود أفكاري منذ مدة، ويعبَثُ بها.. وأحاول جاهدة ردعه لكنه أقوى من أن يُردع ببساطة هكذا.. الأنكى أن كل دقيقة تمر يحدث فيها ما يزيده تأصيلاً في تُربة أفكاري يوماً بعد يوم..

ملخص الفكرة أنني فعلياً، وجمع مثلي، لا نصدق أبداً "الثرثرات العربية" الجماعية أو الفردية حول فكرة الكُرْهُ العربي لما يسمى بـ إسرائيل والإسرائيليين.. ولعل السبب في ذلك عائد على تراكمات لأفعال ومشاهدات متواترة منذ بدء تكون إدراكنا وحواسنا، وفي غالبها تتلخص في مانشتات لأخبار مختصرة من قبيل:

شجب واستنكار عربي لحرق الأقصى.. صمت عربي إزاء جرائم الاحتلال اليومية.. تمادي في بناء مستوطنات دون تدخل قوي رادع.. الفتوى بتحريم زيارة الأقصى لغير الفلسطينيين -حتى يتحرر من تلقاء ذاته-.. مباحثات سرية لزعماء عرب في تل أبيب.. هبوط طائرة مروحية لابنة زعيم عربي سراً في إسرائيل.. تطبيع اقتصادي مع إسرائيل.. تهديد إسرائيلي بأشرطة فضائح جنسية ووثائق بيع لأراض عربية نفذها زعماء ومسئولون عرب.. تورط فنانين عرب في قضايا جاسوسية لصالح إسرائيل.. شراء أمير عربي لـ فيلا في إسرائيل، أسهم إسرائيلية في شركات فنية وإعلامية عربية.. وهلمجرا، وجميعكم تتابعون مثلها وأكثر..

في الحقيقة إن الرفض العربي لإسرائيل، فعلياً، ليس موجوداً إلا في السينما المصرية.. وحتى هذه، والتي تأخذ دور ممرض متطوع في تضميد بدائي لجراح ملتهبة، ليست سوى وسيلة مثيرة لغرائز التعاطف لدى جمهور متعطش لحل خيالي وسريع.. فيربح بمفعولها شباك التذاكر أكثر..

أما على المستوى السياسي فلا شيء من ذلك سوى مباحثات، ومهاترات، وتنازلات من الجميع دون استثناء..

لست متحاملة، ولست متشائمة وليست هذه المشكلة الوحيدة فقط، بل المشكلة أن جيل الزعماء المتخاذلين والمخذولين في آن واحد أنتجوا لنا جيلاً فاشلاً مثلهم لا يعرفون من كرههم لإسرائيل سوى حمل اللافتات بملابسهم الأنيقة لتكون الصور الفوتوغرافية التذكارية بهية، وبعض هتافات تقليدية ترددها ألسنة كألسنة الببغاء سرعان ما تلتهي وتنتهي بانتهاء المشهد المعد بإتقان مسبقاً..


حسناً لن أجمعَ الكل في ذات البوتقة القاسية هذه، ولن أتهم الجميع بالفشل الذريع في إفراز كم الكره المرجو صوب عدونا الأول كعرب وكمسلمين.. سأستثني بأمانة من رحم ربي، وهم في غالب الأمر إما في السجون كأسرى لدى إسرائيل وفي غياهب الجب في الدول العربية.. أو في مشافي المجاذيب تحت إقامة جبرية..


الأربعاء، 16 يناير 2013

شرقي ابن عربي


بقلم - أميمه سليمان العبادلة:

يقولون أن الشرقي دمه حامي كناية عن سرعة الغضب واشتعاله، وسرعة الحَمِيَّة.. لكن يبدو أن العربي بات يحتاج لبوصلة، أو لـ"لاقط هوائي" لتوجهه بعناية متى عليه أن يكون ذو دم حامٍ..

عادة ما يكون هذا الشرقي حامي الدم ثأراً لما لا يُثأر له كمبارة كرة قدم، أو للاستحواذ على قلب غانية شابة، أو لعادات جاهلية ليس فيها من الخير شيء..

أما في المواضع التي تستوجب الدم الحامي كالانتفاض لحرية الشعوب ونصرة الفقراء والمظلومين، فإنه عادة يتحول أوتوماتيكياً ليكون من ذوات الدم البارد..

مازلت أفكر أين كانت عقول أمراء الخليج وخصوصا المتحكمون في تلك البقعة الصاخبة التي تسمى "دبي" حينما أهدروا أربعين مليون دولاراً لأجل ألعاب نارية دامت لدقيقة فقط خلال رأس السنة 2013..

ما جدوى أنهم دخلوا بها موسوعة جينيس..؟!! هل أصبحت موسوعة جينيس أكثر إغراءا من دخول الجنة..!! أليس فيهم من عاقل واحد يقول لهم كفاكم حماقة..!!

هل جينيس هذه ستدفئ قلوب المكلومين، وستملأ بطون الجوعى، وتطمئن أرواحاً مرتعشة..؟!!

بعض العرب بحماقتهم جعلونا نتمنى لو أننا ما كنا عرباً، أو لو أنها تخسف بهم الأرض ويريحونا من ارتباطنا الزائف معهم بصلة دم لعروبة ما عادت تساوي حفنة من تراب..!!

الخميس، 3 يناير 2013

الإنطلاقة


أميمه العبادلة:

[ هذا الحوار تكرر معي بذات الصياغة مرتين، ما قبل الانطلاقتين ]

هو: هل ستشاركين في الانطلاقة غداً..؟!!

أنا: لا فعندي امتحانات متتالية وأحتاج أن أشتري وقتاً فوق الوقت..

هو: اممم يبدو أنك لا تنتمين لهم إذا أنتِ منا، بوركتِ..؟!!

أنا: اللهم بارك في الجميع لكن على رِسلك.. هم من، وأنتم من بالضبط..؟!!

هو: نحن..!!

أنا: وما اسمكم الصريح يا نحن..؟!!

هو: (مراوغاً) طيب دعيني أسأل بطريقة أخرى.. لأي فصيل تنتمين ولو روحياً، لا بشكل تنظيمي مسجل وموثق: فتح أو حماس..؟!!

أنا: اممم لا هذا ولا ذاك..

هو: اوه يبدو أنكِ جبهة لكن لا تبدو معالم اليسار عليكِ..!!

أنا: ههههه لا يسار ولا يمين.. أنا أنتمي لفلسطين..!!

هو: اهه.. دعكِ من الإجابات الدبلوماسية والمثالية.. اعتبريه سؤالاً جاداً الآن وليس فضولياً كما السابق..

أنا: انظر.. فلسطين التاريخية التي تخصنا نحن دون غيرنا ولا شريك آخر لنا فيها أقدم وأكبر وأعظم وأهم من أن تضيعوها وتضيعوا انتمائنا الأصيل لها بانتماء لفتات فصائل، أكبرها لم يبلغ الخمسين وأصغرها بالكاد أتم عامه الخامس والعشرين..

بالمناسبة كلاهما وُجِدَ ليقول بصوت جهور أنا أمثل فلسطين.. وها أنا أنطلق وأحتفل لأجل فلسطين..

يا عزيزي لا أحمل بطاقة تنظيمية.. أحمل فقط بطاقة تدل أنني من فلسطين وهذه من أناضل كالجميع لأجلها.. وبما أنني لست بحاجة لأوثان أعبدها لتصلني بالله.. فإنني، أيضاً، لست بحاجة لأعبد فصائل تثبت انتمائي لفلسطين التاريخية..



الأحد، 23 ديسمبر 2012

هذيان


بقلم - أميمه العبادلة:


أعترف أن فكرة الموت تأخذ كثيراً من تفكيري.. تحديداً الأموات وحياتهم البرزخية أثناء موتهم.. شيء لاشعوري يدفعني دوماً لتكرار قراءة سورة الفاتحة سراً، ووهبها لأموات المسلمين.. والرجاء بإصرار أن تخفف قراءتي شيئاً غامضاً لا أعرفه..

أفكر كثيراً إن مِتُّ هل سيذكرني أحد ويتلوا عليَّ الفاتحة من حين إلى آخر كما أفعل لأجل أشخاص كنت قد إلتقيتهم ذات زمان، صدفه، ولست أعرفهم بشكل حقيقي..؟!!

أفكر بـ جداي كثيراً.. يا ربّ لقد كانوا طيبين جداً، وأحبهم جداً، وأشتاق إليهم جداً.. يا رب لا تعذبهم وارحمهم برحمتك..

من منا يحتمل عذاب الله..؟!! بالطبع لا أحد.. مرعبة هذه الفكرة إن ربطناها باللارجوع، وأن الله سيحاسبنا على مثقال الذرة.. من منا لم يخطئ، وكل ابن آدم خطاء.. إن الله غفور رحيم، لكن الرحمة تلي العذاب.. و( إن منكم إلا واردها )، فبكى عمر حتى ابتلت لحيته خوفاً وخشية..!

هالني موت زميلنا علي الأغا.. أعرفه.. أعرفه جيداً.. أو لعلني أعرفه إلى حد ما.. أقف عند صورته كثيراً وأفكر بالمجهول الذي لست أعرفه.. علي توفي صغيراً جداً، وعلى حين غرة، ودون سابق مرض ينذر بقرب منيته.. علي ليس الشاهد هنا، بل الموت ذاته.. هل يسمح الموت لعلي أن يسمعنا..؟!! هل يرانا..؟!!

ذاك الموت لا أفهمه ولا أي منا يفهمه، والجميع يخشاه، حتى الجدات الطاعنات يخشينه..!

بالأمس كنت أمر على تصميمات محمد عبد الرحمن، استوقفني أحدها  كان بعنوان الموت يحصد نفسه في الصومال.. رسم الموت حاملاً الموت في أحشائه كجنين، اختنق به فمات الموت من الموت..

مرعب هو الموت.. لم أجد مجهولاً مرعباً كـ هو.. ولم أجد مجهولاً مرعباً يشدنا للبحث عنه كـ هو أيضاً..

إنه يأخذ من تفكيري ساعات مرتبكة كلما مرًّ اسم لشخص متوفى أو صورة له.. لا أعرف حامد أبو هربيد زميلنا الصحفي الذي توفي في تركيا، لكن ابتسامته شدتني وقصته مع المرض أخرست الحواس لدي.. أظنه مازال يبتسم بعد موته تماماً كما كان في الصورة.. اكتشفت أنه كان صديقاً لدي على الفيس بوك دون أن أعرفه أو أحادثه أو حتى ألتقط مكانا لاسمه في ذاكرتي..!

بائس هذا الموت الذي يحول بيننا وبين معرفة أشخاص طيبين.. أو لعلنا البائسون أن غيبتنا فوضى الحياة عن معرفتهم قبل أن يصلوا لنهاية طابور الموت..

لا يكاد يمر يوم دون أن أتذكر زميلنا الصحافي علاء مرتجى الذي اغتالته آلة الموت الإسرائيلية في حرب غزة السابقة.. رغم أني لم ألتقية، وسجل معرفتي به لا يتعدى محادثتي ماسنجر.. لكنه كان طيباً، وترك أثراً وفياً يأبى أن يفارق الذاكرة المتخمة بالكثير..

مع علاء أفكر كثيراً هل يذكره من كانوا مقربين منه كل يوم، كما أذكره أنا التي لم أكن أعرفه إلا من خلال محادثتين فقط..؟!! وهل عندما أموت سيذكرني أحد، أم أن الحياة تستمر وتمحو ما مضى من أجندة المهام..؟!! للمرة الثانية أيضاً ليس علاء الشاهد في كلامي، بل هو الموت نفسه..!!

رجاء: الفاتحة على أموتنا وأموات المسلمين والدعاء بالرحمة أثابنا وأثابكم الله..



السبت، 15 ديسمبر 2012

أيام زمان

بقلم - أميمه العبادلة :

سيأتي يوم يكون فيه عدد الأصدقاء غير محدود على الفيس بوك – كما هو الآن – وسنقول لأحفادنا حينها:


" إيييه الله يرحم أيام زمان، والبساطة عندما كان الفيس بوك مجاني..!! والأصدقاء جميعاً لا يتجاوزون الخمسة آلاف.. لقد كنا أسرة واحدة على التايم لاين.. نجامل بعضنا باللايكات، والبووك، والكومنتات..
لا كأيامكم هذه التي لا حياة افتراضية فيها كما ينبغي، ولا شبكات تواصل اجتماعي حسب الأصول..
ما عاد أحدكم يكترث لبوستات الآخر ولا لتحديثات الـ status الخاصة به كأيامنا "..!!

وسيرد الحفيد الديجيتال - المعدل وراثياً -ً علينا ببرود قاتل، أثناء استخدامه لسوفت وير معقد عبر جهاز لم يكن مبتكراً على أيامنا:

" بييس يا مان.. هذه سنة الحياة التي ارتبطنا بها بـ( تاج – tag ) منذ أيام آدم وإيف.. كن ( up-to-date )، ودعك من فتوحات المزرعة السعيدة، وصور الأصدقاء التي ما زلت تحتفظ بها على الفلاش ميموري خاصتك، والتي ما عاد أي جهاز يتعامل معها في يومنا هذا "..!!

وسترد عليه أيها الجد المنهك بغضب وتعصب للدفاع عن انجازات جيلك:

" إياك ثم إياك أن تتطاول على الفلاش ميموري مرة أخرى.. إنها تحتوي على كامل ذكرياتنا، وصورنا، ومشاريعنا، والجيمز التي كنا نلعبها في تلك الأيام الخوالي.. إنها تاريخنا، وعاداتنا، وثوابتنا التي لا يجب أن ننساها أو نتخلى عنها "..

// إيييه سبحان الله.. من كان يصدق أن كل هذا سيحدث يوماً ما.. دنيااا //

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

مشاعر إلكترونية


بقلم – أميمه العبادلة:

أنشكر صفحات المحادثات الإلكترونية الجافة من بلل المشاعر الذي لطالما صال وجال على خطوط ملامحنا، وأضفى عليها ما استطاع سبيلاً من الألوان، والثنايا، والنبضات، وفوضى درجات الحرارة..؟!!

من السهل الاستتار والاختباء خلف الأحرف الصامتة دون أن يعلم من يُحادثكَ كيف أنك تتلعثم.. أو دون أن يلحظ نبرة صوتك المرتجفة ألماً، أو جزعاً، أو ربما شوقاً، أو حتى كرهاً..!!

هم ( من تحادثهم ) بالطبع لن يروا - في حروفك ذاتها - بريق الدموع في مآقيكَ التي ألهبها الحنين.. ولن يقارعوك على ثورة الغضب التي أحالت مقلتيكَ لجمرتين..

كما أنك في المقابل لن تفزع من قهقهتم الساخرة من تلاعبهم بمشاعرك من خلال تطويع الكلمات، وتواطئ المعنى مع شيطان يختبئ خلف شهب أنفس لا يعلم مرادها سوى رب العباد..

كلانا – الصالح والطالح - لن نفهم أياً من كل هذا ما دمنا نختبئ  خلف الشاشة الزرقاء دون إبداء الوجوه ومعالمها، ومادمنا نفرح باختصار المسافة دون التوق لشغف اللقاء..

أتساءل، هل من خير حقيقي نكتسبه من إخفاء مشاعرنا كلياً حين نغص بالوجع ونختنق به، بينما في ذات اللحظة ترانا نكتب على الشاشة ضحكة طويلة بتكرار حرف الهاء ( ههههه ) - كما اتفق على ترميزها أهل الفضاء الإلكتروني - فقط لنداري سوءة وجعنا عنهم..؟!!

أو هل نكون أنجزنا انجازاً خارقاً حين نسخر من أحدهم ونتلاعب به بقصد الضحك معه أو عليه..؟!! هل من ذكاء حقيقي، أو على الأقل من فائدة ذات قيمة ومغزى تعود علينا من ضلال المشاعر هذا وتضليلها..؟!!

في هكذا حالات يكون قياس حقيقة المشاعر لا صعباً فقط، بل هو تمام مستحيل.. باستثناء أن يكون مُحَدثكَ على درجة عالية من الحساسية والتواصل الروحي بروحكَ: كأمكَ، أو أبوكَ، أو - وهذا قلما يكون - توأم روح وقلب يعنيه أمرك جداً وجداً ثم جداً..!! حينها فقط سيفهم أو على الأقل سيشعر بانقباض مبهم في صدره يشي له بحقيقة حالتك..!

من السهل نسخ النكات ولصقها على شاشة العرض الإلكترونية، لكن من قال إن ناشرها في حقيقة الأمر يضحك..؟!! من السهل سرد خطبة شبيهة بتلك التي يلقيها الإمام يوم الجمعة عن فضائل الصلاة، لكن من قال أن ناقلها يصلي..؟!! التغرير بالآخر واجتذابه أو تنفيره واستفزازه بالكلمات وحدها أمر متاح ووارد.. أما مدى الصدق والتثبت أمر يحتاج إلى إعادة نظر وتدقيق..

عادة ما يكون للكاتب، كما للمتحدث، أربٌ من كتابته.. أربٌ مرتبط بهدف خفي في العقل الباطن، ويترجمه العقل الواعي كما يراه مناسباً بسلوك مخابراتي فطري محكم في دمج الحروف.. فتؤتي الكلمات والعبارات أكلها بدقه تصيب الهدف في مقتل احترافي، فـ يُصدق الطرف الأخر لا محالة.. على الأقل نتركه مرتاباً ما بين نعم ولا..!

لكن الفرق بين الكاتب والمتحدث شفوياً أنك تستطيع أن تميز في الثاني نبرة صوته، عمق إحساسه بالكلمات، نظرة عينيه التي تشي بالكثير، وتوتره أو ارتياحه وغيرها من الأمور.. أما الكاتب فكثيرا ما نحتار ونحن نقرأ ماذا تراه يقصد..؟!!

علم الوجوه وحركات الجسد الذي استفاض فيه الباحثون وذوو الاختصاص لا قيمة له إن كانت لقاءاتنا إلكترونية، بغض النظر إن كانت فيسبوكية أو تويترية، أو ماسنجرية.. المهم أن كل الأقاصيص والعبارات والخطاب الموجه لن يكون دقيقاً أو صادقاً أو شفافاً مائه في المائة، فيما لو قارناه بالحوار وجهاً لوجه..

قد لا نكترث أبداً لو أن الأمر مرتبط بعمل روتيني لا يتعدى فكرة الـ خذ وهات.. لكن متى ما كانت محادثاتنا ونقاشاتنا هذه تدور في فلك علاقات جادة، ونرغب من خلالها الانتقال من مرحلة الافتراضية إلى الواقعية سيكون التدقيق والاهتمام بالمصداقية أكبر بلا شك..

أنتجنب هذا النوع من المحادثات إذا..؟!! أو نطور قدراتنا في تحليل ما بين السطور..؟!! أم نستسلم لفكرة انتقاص المصداقية..؟!! أم نبتكر حلا جديداً..؟!! ما الأفضل كي نفعله..!!
أو لماذا لا نكون، ببساطة، صادقين وشفافين دون اعتبارات التحايل التي أشك في مدى جدواها ودوام متعتها..!!!

السبت، 13 أكتوبر 2012

عصام يونس.. من حقوقي حازم إلى فنان ساحر


بقلم – أميمه العبادلة:
لطالما كانت نخبة العلماء، والمشتغلين بالسياسة، وأهل الاختصاص في القانون، على الرغم من كل ما يبذلونه في مجالات خدمة الإنسانية والحريات والارتقاء والتنمية؛ بصورة نمطية مألوفة لدينا تتسم بكثير من الجدية ووفرة في الجمود.. وكأنهم كائنات آلية مبرمجة على العطاء الروتيني دون ملامح جلية لمشاعر عميقة ومرهفة..

ربما يعتبره البعض صِنفاً من "بريستيج" اجتماعي فاخر لا يجوز كسر حديته، لأغراض قناعات نفسيه بحته ما أنزل الله بها من سلطان سوى أهواء بشرية تعلو وتهبط دون مرونة أو جدوى.. لكنه يتعارض من كينونة الإنسان وميله للبساطة والفطرة والتوحد مع الطبيعة والجمال..

لعل الصورة السابقة مألوفة إلى حد ما، لكن اللامألوف يكمن في كسر جبروت هذه الصورة الجافة بإبداء لين مثير، بعد امتزاج المشاعر فيه بسمو الفن وعميق أصالته..

وليكون الحديث أكثر وضوحاً دعونا نرسو بعض الوقت في غزة، تلك المدينة المحاصرة التي يحسبها كثير من الخلق قطعة منسية، لا حياة طبيعية فيها.. بينما في واقع الأمر فإن كل ما فيها يقتنص الثواني ليصرخ أنا أضج بالحياة رغماً عن الحياة ذاتها..

هنا وقرب البحر يبرز لنا معرض لوحات استوحى اسمه من رسمه: "لا جمال يفوق ما تنتجه الطبيعة".. إنه معرض فريد من نوعه لجدة خاماته.. فجميع لوحاته العشرين مرسومة ومطلية بقصاصات من قش سيقان القمح الذهبية..

ومع ذلك فنجم المعرض الحقيقي هنا لا اللوحات الفريدة بل صاحبها الذي تخلص من عباءة عشرين عاماً في أروقة النشاط القانوني، والمرافعات الجادة، والمقالات السياسية الرصينة، وشعلة حقوق الإنسان التي لطالما كانت همه الأول، وارتدى زرقة السماء في عينيه المتوقدتين حياة، فغازل بذلك أبصارنا وأرواحنا وذوقنا بكوكتيل فني لا مثيل له، وأنار عالم الإبداع بعشرين لوحة طبيعية 100%..

فاللوحة الواحدة بها ألف معنى، ما بين روعة الطبيعة، والحفاظ على البيئة، وتصوير الحياة، ودقة الصناعة، وتقدير الإنسانية، مغلفاً كل هذا بحرفية ساحرة وبهالة قصوى من الحب..

وعلى الرغم من أن عصام يونس يشغل منصب مدير لمركز الميزان لحقوق الإنسان والذي ينصب نشاطه في تعزيز أسس الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني ونظامه السياسي وتعزيز المشاركة السياسية للمواطنين، والضغط نحو تشكيل حكومات صالحة تحترم حقوق الإنسان، وتوعية المواطنين بحقوق الإنسان الفردية والجماعية بما في ذلك الحق في تقرير المصير والعمل على تحقيقها عبر استخدام قنوات القانون الدولي..

إلا أن كل ذلك لم يمنع يونس من ممارسة هوايته الفنية المميزة هذه.. فهو يراها تساعده على تفريغ طاقته السلبية والضغط والتوتر والإجهاد الذي قد يسببه العمل والهم الإنساني المتواصل الذي تبناه من بداية شبابه.. حيث إن طبيعة القش المشاكسة والهشة تتطلب طول بال وصبر ودقة عالية في رسمه ونظمه وتوليف أليافه بتموجات تظهر جمال اللوحة وعمقها.. الأمر الذي قد يستنزف من العمر مابين شهرين إلى سنتين لتكون في النهاية عروساً متألقة يباهي بها الفنان بين الزائرين في معرضه..

استرقت السمع فعلمت أن يونس ما كان يفكر يوماً بالمعرض، واكتفى بلوحاته نجوما تزين منزله، لكن إلحاح متواصل من أصدقاءه دفعه ليبرزها للعلن، ويساعدنا في تأمل روح الإنسان الفتية التي لم ولن ينال منها أي ظرف مهما كان قاسياً..

في الحقيقة لا أعرف يونس شخصياً، ولم أمكث في المعرض طويلاً.. فقد سرقت من الزمن نصف ساعة لأرى ما الجديد.. فكان الجديد يحمل في كل لوحة قصة، تذبذبت ما بين تاريخ فلسطيني، وطرفة حكايات شعبية، وحديث نسوة، وورود، وطيور، وفضاء.. باختصار كان المعرض عالماً، أو دون مبالغة كان كسفينة نوح حين أخذ من كل زوجين اثنين..

أتمنى أن يتوالد الزوجان فيصبح بعد المعرض معرض واثنين وعشرة، فيمتعنا ويخرج بنا من روتين الشكوى أن غزة تموت.. بل إن غزة تعيش فبثوا فيها مزيداً من الحياة بآمالكم وأحلامكم وإبداعكم..